أصحاب السيارات يعيشون حالة تذمر كبيرة و تشكياتهم لا حد لها أصحاب المحطات يضعون أنفسهم خارج دائرة الاتهام فالكل يمدح ويمجد معاملاته مع الحريف ولا يقّر إلا بجودة وقود محطته.
هذا هو حال العلاقة القائمة بين المواطن التونسي ومحطات الوقود على طول أيام السنة علاقة لا تعرف فيها من الظالم ومن المظلوم, تسأل المواطن فيجيبك بلوعة وقهر المظلوم والمغلوب على أمره وتسأل أصحاب المحطات فيؤكدون براءتهم من تهم الحريف وتفانيهم في خدمته..
هل أن المواطن التونسي حقّا هو ضحية لمحطات الوقود؟
هل أن الثقية المفترضة في خدمات اصحاب محطات الوقود قائمة فعلا؟
ما مدى نجاعة الجهة المسؤولة وتحديدا أعوان المراقبة في التفقد والتدخل ؟
ما مآل القضايا التي يرفعها المواطنون ضدّ أصحاب المحطات وكيف يتم جبر الضرر؟
جوانب عديدة ودقيقة لهذا الموضوع تناولتها "التونسية "بالطرح علّنا نقف على حقائق ملموسة تزيح ولو قليلا من الالتباس القائم حول الموضوع.
*عمليات غشّ عديدة وأضرارها بليغة
حتى نتناول كل جوانب هذا الموضوع بانتظام رأينا أن نستجوب المواطنين أصحاب السيارات أولا أي المعنيين بالأمر باعتبار أن لا مصلحة لهم في تزيف الحقائق
لعل أكثر المتضررين الذين اعترضونا واستجوبناهم هو السيد "المنجي قطّي" (48 سنة صاحب مؤسسة للتسخين والتبريد) الذي تعرضت سيارته وهي من نوع "ميقان Mégane" مازوط إلى حالة غش تكمن غالبا في خلط المازوط بالماء وهو ما تسبب له في تضرر "الأنجكتور" les injecteurs" "ومضخة الوقود الشيء الذي حتم على سيارته البقاء لمدة 3 أشهر في (دار Renault ) باعتبارها ومن ألطاف الله لا تزال تحت الضمان, هذا وقدرت تكلفة تصليحها 4 ملايين تكفلت بها كما قلنا دار " Renault ".
"حسان 23 سنة" هو الآخر تعرض لعملية غشّ وبالأحرى كما يقول عمليات غش آخرها كانت وقتها "سيارته المرسيدس" مازوط ضحيتها التي تضررت بنفس الطريقة حيث تبدأ السيارة في الاهتزاز ثم تتعطل تماما هذا ويضيف حسان أنه اكتشف أكثر من مرة عمليات غش حيث يقوم بسكب قليل من المازوط ويشم رائحته فيجدها كلها "قاز" و أحيانا يجدها ممزوجا بالماء وهو ما يتسبب في تضرر " les injecteurs " واضطراره لإبدال كامل المحرك مما كلفه 5 ألاف دينار. أما "شرف الدين" (41 سنة تاجر) فقد أكد لنا أنه بحكم تنقلاته الكثيرة يضطر للوقوف والتزود من أقرب محطة وقود تعترضه وهو ما عرّضه عديد المرات لتضرر في سيارته والإشكال هنا أنه عاد في أكثر من مرة لأصحاب المحطات كلما حصل له ضرر بسيارته إلا أنه لم يجد من يسمعه أو من يعطيه حقّه كذلك نفس الأمر ونفس عمليات الغش تعرض لها "أحمد" (23 سنة) ولكنه كان فطنا أكثر من بقية مستجوبينا فأحمد أكد لنا أنه يتعامل مع محطة وقود واحدة لا يغيرها أبدا لأنه يثق في جودة وقودها ثم إن سيارته وهي من النوع الجديد تحمل منبها ضوئيا () يتأكد من خلاله مدى مطابقة المازوط للمواصفات المطلوبة ذلك أنه حين يشتعل هذا المنبه فإن المازوط غير نظيف وغير مطابق للمواصفات أما إذا لم يشتعل فإن الأمر على ما يرام.
* أصحاب ورشات الميكانيك: الـ"Carburateurs" و " les injecteurs " وقلب المحرك أكثر قطع السيارة تضررا.
أصحاب ورشات الميكانيك سألناهم أيضا عن هذا الموضوع باعتبارهم من يستلموا السيارات عند تعرضها لضرر ما استفسرناهم عن الحالات التي اعترضتهم ونوعية الأضرار التي تصيب السيارة من جراء الوقود المغشوش
فأجابو "حسن" صاحب ورشة ميكانيك, أفادنا بأن حالات عديدة مرت عليه حيث يأتيه العديد من الحرفاء وقد تضررت سياراتهم أثناء تزودهم بالوقود حيث ذكر لنا حالتين, الحالة الأولى حيث كان ذاهبا رفقة أحد حرفائه إلى المهدية أين اضطر للتوقف بمحطة سيدي خليفة والتزود بالمازوط ويتذكر أن السيارة كانت من نوع "Partner" اثر مغادرة المحطة بربع ساعة تحديدا تعطبت السيارة وتبين أن المازوط كان مخلوطا بالقاز. الحالة الثانية كانت سيارة "بيجو 206" أتى بها أحد الحرفاء واثر فحصها تبين أن البنزين مخلوط بالماء وهو ما تسبب في تضرر مضخة الوقود ( Pompe d’essence). أما عبد الحميد وهو ميكانيكي فقد بين لنا أن الغش الذي يتعرض له الحريف في المحطات عادة ما يكون بسبب هفوات يقوم بها العون في المحطة كأن يقوم بسكب المازوط بدل البنزين أو يدور بذهنه أن السيارة " CLIO" مثلا هي بنزين والحال أنها مازوط, هذا ويضيف عبد الحميد أن أكثر قطع غيار السيارة تضررا في مثل هذه الحالات هي الـ" Carburateur"
*محطات التزود بالوقود: علاقتنا طيبة مع جميع الحرفاء وجودة محروقاتنا 100 بالمائة:
بين تشكّيات المواطنين وشهادات أصحاب ورشات الميكانيك التي أكدت حصول الأضرار توجهنا إلى محطات التزود بالوقود أين تبينا منهم نوعية علاقتهم بالحريف واستفسرناهم عن التشكيات التي صرّح لنا بها الحرفاء .
"كريم ,مسؤول بمحطة عجيل للوقود" أفادنا أن معاملات المحطة مع المواطن جيدة للغاية وأن لديهم عديد الحرفاء القارين بل هناك وزارات تتعامل معه أيضا بصفة قارة وبطبيعة الحال فقد نفى كريم حصول أي حالة غش أو تضرر لأحد الحرفاء بمحطته حيث أن الشركة التي تزوده بالوقود هي شركة عجيل الموجودة بحلق الوادي حسب قوله هي أفضل الشركات.
سألناه عن عمليات المراقبة ومواعيدها فأكد لنا أنه تقريبا كل 15 يوما تكون هناك مراقبة من وزارة الطاقة حيث يأتي أعوان المراقبة على عين المكان ويتأكدون من جودة الوقود, أما عن تشكيات المواطن فهو يرى أن الأمر قد يكون متعلقا بمحطات وقود أخرى وليس بمحطته هو. أما "عربي زهروني" (رئيس محطة أوليبيا) فقد صرّح لنا مباشرة أن الحريف هو رأس المال وأنه يقف شخصيا على كل الأمور في محطته ويحاول قدر الإمكان تفادي أقل هفوة وقد بين لنا أن أي مواطن من حقّه الشك أو عدم الثقة في نوعية وجودة الوقود "ولكن المهم أن نعرف كيف نقنعه ونطمئنه كلاما وفعلا.." إلى جانب هذا حدثنا "عربي" عن جودة وقود مصنع أوليبيا ومطابقته التامة للمواصفات المطلوبة أما عن المراقبة فقد قال:"نعم هناك أعوان مراقبة يأتون مرة في السنة ويأخذون عيّنة من البنزين والمازوط والقازوال فيقومون بتحليلها في مخابرهم والحمد لله لم نتعرض لأي شك في منتوجاتنا أو لأي نتائج سلبية".
و كالعادة نفس الكلام ونفس التصريحات أفادنا بها وليد جراية (وكيل محطة طوطال للوقود) قال إن العلاقات طيبة جدا وحتى إن وقعت بعض التشكّيات فسببها الرئيسي الحريف نفسه الذي يتميز بضعف ثقافته في هذا المجال.
* قضايا الغش في محطات الوقود: كيف تتم قانونيا وما هو مجراها وكيف يتم جبر الضرر؟
حتى نقف على أبعاد هذه الظاهرة من الناحية القانونية و نتبين المسار الذي يتخذه الحريف لدى تعرض سيارته لأي خلل أو ضرر التقينا السيد "عبد الله الكبسي" خبير عدلي في الميكانيك العام والسيارات أما عبد الحميد وهو ميكانيكي فقد بين لنا أن الغش الذي يتعرض له والذي أفادنا بأنه تولى النظر في عديد العرائض التي تقدم بها المواطنون إلى المحاكم. يقول السيد "عبد الله" أن الدعوة تتم حين يتزود المواطن بالوقود من إحدى المحطات ويكتشف حدوث عطل في سيارته عندها يقوم بعريضة يوجهها إلى محكمة الناحية (في صورة ما تبين عن طريقنا نحن الخبراء العدليين أن قيمة أضرار سيارته أقل من 7 ألاف دينار) وإلى المحكمة الابتدائية (في صورة ما يبين أن الأضرار أكثر من 7 ملايين) ويطالب بحقه فالحريف هنا يتقدم برفع قضيتين:
- الأولى للقضاء الجزائي : حيث يتم رفع عريضة تصل أحيانا إلى وكيل الجمهورية و حيث تتم معاقبة صاحب المحطة فإن الخطية التي سيدفعها هذا الأخير تكون لفائدة الدولة.
- الثانية للقضاء المدني : وهنا يأخذ المواطن حقّ الضرر الذي حصل له.
كما بين لنا السيد "عبد الله" أن المواطن يطلب من خلال العريضة تعيين خبير لتقرير قيمة الأضرار وعلى ضوء تقرير الخبير الذي تعينه المحكمة يتم تقدير التعويضات كما أضاف أنه حين تثبت عملية الغش فإن صاحب المحطة يتحمل مسؤولية ذلك كاملة أيضا يمكن في حالات أخرى محاسبة الممثل القانوني للمحطة أو وكيلها أما إذا كانت المحطة مؤمنة فشركة التأمين هي التي تتحمل مسؤولية التعويض.
بحكم خبرته الطويلة في هذا الميدان طلبنا من السيد عبد الله أن يعدد لنا حالات الغش التي عاينها هو شخصيا, فذكر لنا :
1- تعّمد الغش أي إما أن يقوم صاحب المحطة بإضافة مادة "القاز" للمازوط أو باستغلال صهاريج أي خزّانات وقود قديمة وهو ما يفرز مواد "حديدية" صغيرة تؤثر على محرك السيارة كما من شأن هذه المخزنات القديمة أن تحدث ثقوبا تسهل عملية تسرب الماء عند هطول المطر.
2- عملية الغش يمكن أن تكون عفوية نتيجة سهو أو لا مبالاة العون فيقوم بسكب البنزين بدل المازوط والعكس بالعكس.
3- الغش في الوقود يكون أحيانا خارجا عن ارادة صاحب المحطة وعن الأعوان ذلك أن المصنع هو الذي يكون سببا في فساد الوقود.
وعن أنواع الأضرار التي تتعرض لها السيارة أجابنا السيد عبد الله أن جهاز التغذية "Alimentation" وخاصة مضخة المازوط"Pompe d’injection" وقلب المحرك أي المكاسب"Les pistons" هي أكثر الأجزاء تضررا بالسيارة.
* عمليات المراقبة فعلية وخطانا حثيثة وجدّية للحد من الغش.
لكي نتثبت من الدور الذي تلعبه الهيئة المسؤولة عن المراقبة في محطات التزود بالوقود ومدى تدخلها للحد من هذه الظاهرة التقينا السيد "الياس بن عامر" مدير الجودة وحماية المستهلك بوزارة التجارة والصناعات التقليدية, بيّن لنا السيد "الياس" أولا أن عملية المراقبة التي يقومون بها هي تعهد تلقائي في إطار أبحاث ميدانية تشمل محطات توزيع المحروقات وذلك بالرجوع إلى النص القانوني الذي يعملون به وهو قانون حماية المستهلك عدد 117 لسنة 1992 بذلك فإن الإطار القانوني العام لمراقبة جودة المنتوجات هو الذي ينظر في طرق المراقبة وهو الذي يكلف الأعوان بهذه المهمة.
سألناه عن أنواع عمليات المراقبة الفعلية التي يقومون بها فأجابنا أنه هناك 3 أنواع :
النوع الأول وهو تلقائي يدخل في إطار برنامج عمل سنوي على مستوى محطات الوقود ويشمل البنزين والمازوط والقازوال والبترول الأزرق, النوع الثاني من المراقبة يتعلق بتتبع تشكيات الحرفاء بسبب حصول عطب في السيارة على اثر التزود بالوقود وهذه التشكيات يتم الردّ عليها بالمراقبة الفورية والآنية للموضوع حتى يتم التثبت منه.
أما النوع الثالث فإن الاطلاعات اليومية على ما تكتبه وسائل الإعلام وتتحدث عنه ترافقها متابعة فورية للأمر ومراقبة دقيقة لإثبات أو نفي الأمر.
هذا وبيّن السيد "الياس" أن عملية المراقبة تتم برفع عينّات من المحطات وتوجيهها إلى المخابر وتحديدا المخبر المختص بمنفلوري للتثبت من مدى مطابقتها للمواصفات المطلوبة, أيضا أكد أن المراقبة تشمل أيضا الأرقام الموجودة بالمضخات الحديثة (الالكترونية) حيث يتم مراقبتها سنويا ومراقبة مدى مطابقتها للكمية التي يريد المواطن التزود بها.
وعن أنواع الغش أفادنا السيد "الياس" أن الفكرة الشائعة لدى كل المواطنين حول خلط الوقود بالماء هي خاطئة تماما ولا صحة لها ذلك أن الوقود والماء خليطان لا يتجانسان كالزيت والماء, أما بالنسبة لما يقال عن قدم صهاريج الوقود وتصدئها فهي لم تعد موجودة إلا نادرا في المحطات القديمة التي نعمل الآن على إزالتها ولعل أهم خطوة حدثنا عنها السيد الياس في مجال الحد من هذه الظاهرة هي خطوة الـTresseur أي عامل القفا وهي اخر خطوة كنا اتخذناها في أواخر 2002 صادرة عن الشركة التونسية (صناعات التكرير وتتمثل هذه العملية تحديدا في إضافة مادة كاشفة (Révélateur) للوقود وفي حالة تغير لونه فذلك يعني أنه مغشوش عندها نقوم بحجز تلك الكمية بالمحطة وإن لزم الأمر بإغلاق المحطة ويعاد الوقود لـ (الشركة التونسية لصناعات التكرير )لإعادة تكريره.
ولقد بيّن لنا السيد الياس إحصائيا أن عدد قضايا الغش في محطات التزود بالوقود تراجعت بصفة كبيرة جدا منذ أن بدأ العمل بالـTresseur حيث تراجع عدد القضايا من 70 و 80 قضية سنة 1999 ليبلغ 4 و 5 قضايا في 2009.
وحول تقصير وزارة التجارة في توعية المواطن قدر الإمكان حتى لا يكون ضحية عمليات الغش أثناء تزوده بالوقود أجابنا السيد الياس أن المواطن أحيانا يغش نفسه بنفسه حين يتزود مثلا من الأسواق الموازية ويستهلك الوقود المهّرب وينصح في هذا الإطار بأن يحافظ المواطن على نفس المحطة التي يتزود منها وأن يتقدم على الفور في حالة تعرضه للغش لرفع شكاية حتى يضمن حقه ويساعد بدوره في القضاء على هذه الظاهرة.
20:33 15/07/2010 "الحرقوص" بين التجذر في الهوية ومواكبة العصر رغم أن قطار الحداثة قد داس في طريقه الكثير من العادات والتقاليد المرتبطة بحياتنا إلا أن البعض منّا مازال متمسكا بعادات الأجداد ويرفض التنازل عنها باسم مسايرة العصر حيث يعد "الحرقوص" من أكثر العادات رسوخا في مجتمعنا والذي يشهد إقبالا كبيرا خلال المناسبات الصيفية.